17 أغسطس 2011

نـُــتـَــف 5 (الولادةُ المعجزةُ لجامع الأسفار المقدسة الحكيم فياسا)

قصة اليوم
من كتاب "المهابهاراتا" ملحمة الهند الكبرى، وتقول القصة
جلس فياسا متربعا، ثم شحذ طاقة ذهنه ما وسعه، حتى استحضر غانيشا ذا وجه الفيل، مفرج الكروب، ومزيل العقبات، ومحقق الأماني والرغبات. بادره فياسا قائلا: "أعرني سمعك! فلسوف أملي عليك ملحمة تفتق عنها الخيال، ورويت فيها قصة أمة، البهاراتا!".

رد غانيشا: "وإني مجيب طلبك، شرط ألا تتوقف عن الإملاء حتى لا ينقطع سيلان القلم بين أصابعي!".
ورد الحكيم فياسا بدوره: "وهذا ما سيكون، طالما كنت تستوعب ما أمليه عليك".

تهيأ غانيشا للكتابة فجلس متربعا على الأرض، ونطق بكلمة "أوم"، ثم أخذ القلم، وشرع يدون ما كان يلقيه فياسا. فسمع منه أعمق الأقوال بأسلس عبارة، وأحسن بيان، بعبارات متدفقة لا تنقطع إلا حين يمسك عن التدوين ليلتقط معنى غاب عنه، أو ليتدبر جملة أشكل عليه أمرها، أو مقصدا فاته. فكان فياسا يستريح عندئذ ليزيد روايته متانة، وإحكاما. وما زال هذا دأبه، تتدفق الرواية. على لسانه تدفق النهر العارم، حتى استهلك غانيشا قلمه، فانتزع أحد نابيه ليلحق بالراوي.

قال فياسا: كان الحكيم الزاهد برشارا يطوف البلاد قاصدا العتبات المقدسة، وبلغ ترحاله بقعة أخذت تتسرب عندها إلى أنفه رائحة نفاذة، فمضى يستقصي مصدرها، وما زال يسعى في أثر هذه الرائحة، حتى إذا صارت في أشد زخمها، صادف ابنة كبير الصيادين في ذلك الصقع النائي، وعلم منها أن اسمها ستيافاتي ووجد الفتاة تصلح قارب أبيها. فاقترب منها حتى تأكد أنها مصدر هذا العبق من الرائحة. كانت الفتاة مليحة القسمات، جميلة الوجه، ذات قوام فتان، فاضطرمت الرغبة في أعماقه واستبدت به. فراودها عن نفسها: "يا ابنة السحر، لقد فتنت بك، وطغى علي الوجد، أفلا تقبلين بي لأودعك حبي وشوقي".

هلعت الفتاة إذ وجدت هذا الشيخ المهيب يبرز أمامها، كأنما ولج إليها من أبواب الغيب ويخاطبها بما لا تقوى العذارى على سماعه، فقاطعته بصوت متحشرج به أثر من الذعر، قائلة: كيف يكون ذلك، أيها الشيخ، وما زلت عذراء في طاعة أبي، ولم يمسسني بشر، ولم أعرف المعصية من قبل!". رد الشيخ، وكأن كلماتها وقعت على أذن صماء: "هيا، يا فتاة! فليس في هذا زلل، أو معصية معي، وأنا الشيخ الزاهد، هيا يا فتاة، فلقاؤنا لقاء الأقدار!".

لم تزد كلمات الشيخ الفتاة إلا خوفا واضطرابا، وكأنما هي خطر يهدد هذه الحياة الهانئة الوادعة التي تعيش، وأخذت العبارات تتدفق منها مفصحة عن الوجل في أعماقها: "يا ويلي! أي مصير ينتظرني بعدما يتم لك مبتغاك؟ وماذا سيكون حالي بعد هذا وأنا في بيت والدي؟ يا لفضيحتي! ويا لعاري بعد هذا اليوم!". قال الشيخ مقاطعا: "هيا، أقدمي، ولا تترددي أمام قدرك! هيا، يا فتاة، فلن يمسسك سوء، ولن ينالك ضير!".

تضرجت وجنتاها بحمرة الخجل، وتابعت عباراتها، لا يخفف من وطأة الوجل ما سمعت من ذلك الشيخ من عبارات بدرت وكأنما قصد بها أن تهدئ من روعها: "ويلي! ويلي! كيف يخفى الأمر بعد هذا، والناس شهود من حولنا على هذا الذي تبغي!".
فـَرَدَ الشيخ ذراعيه، فثار ضباب عظيم لفهما معا، وإذ تلاشى عاد كل إلى حاله، وكأن أمرا لم يقع. ولكن ذلك ما كان ليخفف من اضطراب الفتاة ستيافاتي، وأخذت الأفكار تنتابها من كل طرف، ولا تدري ما سيكون حالها بعد اليوم.
قال الشيخ وقد لحظ اضطرابها: "لا بأس عليك، يا فتاة! فأنت ما زلت على العفة، لم يمسسك سوء وحسبك هذا من الأمر!".

في ذلك اليوم المشهود، وضعت ستيافاتي في تلك الجزيرة الواقعة في منتصف نهر يامونا، طفلا معجزة لم تلد النساء مثله من قبل! نطق الطفل أول ما أطل على العالم معلنا أنه يتخذ الزهد، منذ تلك اللحظة، طريقا في الحياة، ثم ما أن أتم عباراته حتى نهض مغادرا، وهو يقول لأمه: "أي أم، إن احتجت لي في أمر، فحسبك أن تستدعيني بخاطرك، فأمثل أمامك في التو واللحظة!".

وعرف هذا الفتى منذ ذلك الحين باسم دوايبايانا، أي مولود الجزيرة، ونشأ على الفضيلة حتى تردد صدى اسمه عبر العصور، ثم قام على جمع الأسفار المقدسة لتفيد منها الإنسانية كلما داهمتها داهمة كحالها في كل عصر، وعرف لذلك باسم فياسا، أي جامع الأسفار.

هناك 3 تعليقات:

Enter-Q8 يقول...

يسعد صباحك
استاذي ممكن اكاونتك اللي بالتويتر انا قاعد انشر بوستاتك اذا عندك اكاونت باسم المدونة علشان اضيفه مع النشر
الهاكم التفاخر ضرب ضربه بين قراءالتويتر
ابلغني باضافته على حسابي بالايميل او التويتر
@EnterQ8

ma6goog يقول...

لا يوقف :)

sologa-bologa يقول...

enter-q8

ويسعد لي كل أوقاتك
يؤسفني إن ما عندي أكاونت على التويتر... للأسف لست من التويتريين



ma6goog

ما يوقف ولن يوقف :))


ودمتما بحب وود