03 أغسطس 2011

نــُــتــَــف 2 ( أبراهام اليهودي يتحول إلى النصرانية - ج1 )


قصة اليوم من القرن الرابع عشر الميلادي وهي
من رواية "الديكاميرون" لجيوفاني بوكاشيو (القصة الثانية من اليوم الأول) 
اليهودي أبراهام، وبتحريض من جيانوتو دي سيفيغني، يذهب إلى بلاط روما، وحين يرى خبث الكهنة، يعود إلى باريس ويتحول إلى النصرانية.
ترويها نيفيله :
لقد بيّن لنا بانفيلو في قصته مدى رحمة الرب وأريحيته في غفران خطايانا، وأنا أحاول أن أبين في قصتي كل ما تتحمل هذه الأريحية نفسها بصبر، نقائص وعيوب أولئك الذين عليهم، بأقوالهم وأفعالهم، أن يقدموا عنها شهادة صادقة. ولكنهم يفعلون العكس، فيقدمون لنا بذلك حجة مؤكدة تزيد الإيمان رسوخا في نفوسنا.

سمعت فيما سمعت يا صديقاتي العزيزات، أنه كان في باريس تاجر كبير وصالح، يدعى جيانوتو دي سيفيغني. وهو رجل مخلص ومستقيم، يتاجر بالأقمشة. وكان على صداقة مع ثري يهودي يدعى أبراهام، وهو تاجر أيضا ورجل مخلص وصالح. وكان جيانوتو يلحظ ذلك الوفاء وتلك الاستقامة، ويتألم لأجله لأن مصير روحه سيكون الضياع، لأنه على غير الدين المسيحي.  فقرر أن يتوسل إليه بمودة كي يتخلى عن خطل ديانته اليهودية ويتحول إلى الحقيقة المسيحية. فرد عليه اليهودي إنه لا يرى ديانة مقدسة وصالحة مثل اليهودية. وبما أنه ولد عليها، فإنه مصمم أن يموت عليها أيضا.

وبعد مرور عدة أيام، عاد جيانوتو للتحدث إليه بكلامه وحججه كتاجر، مضيفا إن ديانتنا أفضل من اليهودية. ومع أن اليهودي كان معلما كبيرا في الديانة اليهودية، فقد أثرت فيه صداقته الحميمة لجيانوتو، أو ربما أثرت فيه الكلمات المقنعة التي يضعها الروح القدس على لسان شخص بسيط، فبدأ أبراهام يستحسن كلمات جيانوتو ويهتم بها. ولكنه كان متمسكا في الحقيقة بديانته، ولا يرغب في التخلي عنها. لكن جيانوتو لم يكن يتوقف عن مسعاه، وظل يلح باستمرار إلى أن اقتنع اليهودي، في نهاية المطاف، من كثرة الإلحاح، وقال له:

انظر يا جيانوتو، أنت تريد لي أن أتحول إلى المسيحية، وقد قررت إرضاءك؛ ورغبت في ذلك إلى حد أنني أود الذهاب إلى روما، هناك حيث الذي تسميه أنت نائب الرب على الأرض، لكي أدرس أساليبه وعاداته، وأساليب وعادات أخوته الكرادلة. فإذا ما اقتنعت بها، فإنه قد يتاح لي، مع شروحاتك، أن أتوصل إلى أن ديانتكم أفضل من ديانتي، مثلما حاولت أن تبين لي، وسأفعل ما وعدتك به. أما إذا حدث العكس، فسأبقى يهوديا، مثلما أنا حتى الآن.

حين سمع جيانوتو هذا الكلام، أحس بحزن شديد، وقال لنفسه : "لقد ضاع سدى كل ما بذلته من جهود، وكنت أظن أنني قد نصّرته؛ لأنه إذا ما ذهب إلى روما، ورأى حياة المجون والكفر التي يعيشها رجال الكنيسة، فلن يتوقف عند عدم التحول إلى النصرانية وحسب، بل سيتحول إلى اليهودية لو كان نصرانيا، ثم التفت إلى أبراهام وقال له:

ولماذا يا صديقي تريد أن تتعب نفسك كثيرا، ناهيك عن النفقات التي ستتحملها من أجل الذهاب إلى روما؟ .. وهناك في البر والبحر، فوق ذلك، مخاطر كبيرة على رجل ثري مثلك، ألا ترى أنك ستجد هنا من يعمدك؟.. وإذا كانت تواجهك بعض الشكوك في الديانة التي أعرضها عليك، فهل ستجد حكماء ومعلمين أكبر ممن هم هنا، يستطيعون أن يوضحوا لك كل ما تريده وما تسأل عنه؟ .. لهذه الأسباب كلها، يبدو لي أن سفرك إلى روما لا لزوم له وغير مناسب. فأحبار الكنيسة هناك هم مثل من رأيتهم هنا، بل إن هؤلاء أفضل منهم، بالرغم من أن أولئك أقرب إلى الراعي الرئيسي. أنصحك بأن تتجنب هذه المشقة التي يمكن لك أن تتجشمها فيما بعد لنيل غفران ما، وربما سأتمكن أنا من مرافقتك حينذاك.

فرد عليه اليهودي:
أظن أن الأمر هو ما تقوله يا جيانوتو، ولكن إذا أردت لي أن أفعل ما طلبته مني، فإني مصمم على الذهاب؛ أما بغير ذلك فلن أتحول إلى النصرانية.

وحين رأى جيانوتو أنه لا يستطيع عمل شيء، لأن إرادة صديقه كانت راسخة، قال له:
فلترافقك السلامة.

ونكمل غدا الجزء الثاني من قصة أبراهام وكيف تحول إلى النصرانية...

ليست هناك تعليقات: